كيف تعمل سلاسل المعروف والإحسان

تخيل أن هناك عشرة أشخاص، الأول يساعد الثاني، والثاني يساعد الثالث… وهكذا، والعاشر يساعد الأول، وطبعاً ليست المساعدة بنفس الموضوع في جميع الـ “وصلات”. بعبارة أخرى: حلقة من “المعروف”.

والآن تخيل أن العشرة كانوا يساعدون بعضهم في نفس الوقت، وفي لحظة ما احتاج الثاني أن يتفرغ قليلاً لمساعدة الثالث في أمر يحتاج لتركيز، فطلب من الأول (الذي يقدم له المساعدة) أن ينتظره قليلاً ريثما ينهي مساعدته للثالث، وانظر إلى المسارين الأساسيين المحتملين للأحداث:

  • domino_chainالأول رفض لأنه لا يستطيع الانتظار، فبدوره الثاني أوقف مساعدته للثالث وأكمل تلقي المساعدة من الأول، والثالث ذهب يبحث عما يساعده فوجد ذلك صعباً ويحتاج لوقت، فاضطر لقطع مساعدته عن الرابع، وتكرر السيناريو بين الرابع والخامس، وهكذا… إلى أن قطع العاشر مساعدته للأول، وبالتالي الأول قطع مساعدته عن الثاني.
  • الأول وافق على الانتظار فتسنى للثاني مساعدة الثالث، وبالتالي لم يتوقف الثالث عن مساعدة الرابع ولا الرابع عن مساعدة الخامس… إلخ، أي لم تنقطع الوصلات. أو أن الأول رفض الانتظار ولكن الثاني قرر الإكمال في مساعدة الثالث، ومن ثم بعد أن انتهى من مساعدته ذهب وبحث عن ما يحتاجه بنفسه، فلم تنقطع الوصلات التي بعده. أو أن الثاني آثر الاستمرار في تلقي المساعدة من الأول فقطع مساعدته عن الثالث، ولكن الثالث استمر في مساعدة الرابع حتى ولو اضطره الأمر إلى تأجيل البحث عن مساعدة فيما يحتاج لمساعدة فيه، فلم تنقطع الوصلات التي بعده… كرر السيناريو عند أي شخص من السلسلة.

في المسار الأول للأحداث، أدت الأثرة عند جميع الأشخاص إلى انهيار السلسلة كاملة عندما تعرضت لثقل بسيط عند إحدى وصلاتها، لقد آثر كل شخص في كل عقدة أن يحصل على المساعدة التي يحتاج إليها على تقديم المساعدة للشخص الذي يليه، فلم يرد أن يكلف نفسه مشقة البحث عن مصدر آخر للمساعدة، حتى لو كان ذلك على حساب قطع المساعدة عن الذي يليه. ولاحظ أنه في النهاية انهارت السلسلة كاملة فاضطر الجميع إلى البحث عن مصادر جديدة للمساعدة، مما يعني أن الأثرة عند جميع الأشخاص في لحظة معينة أدت إلى تكليفهم جميعاً ثمناً باهظاً ومستديماً فيما بعد.

chain_linkأما في المسار الثاني، فقد تمكنت إحدى الوصلات من استيعاب الثقل الذي تعرضت له السلسلة وامتصاصه، فحافظت بذلك على السلسلة كاملة من الانهيار. حتى الوصلات التي قبلها، والتي لم تتمكن من امتصاص الثقل، لم تنقطع، بل ستعود للعمل من جديد بعد زوال الثقل – الآني على الأغلب-. فذلك الشخص الذي امتص الثقل الزائد (فقدّم الاستمرار بتقديم المساعدة على الاستمرار بأخذها) لم يكن له الفضل في تقديم المساعدة للشخص الذي يليه فحسب، ولم يكن إحسانه مقتصراً على إيثار المساعدة لشخص آخر في ظل حاجته هو نفسه إليها، بل إن إحسانه يتعدى ذلك ليشمل – في الصورة الأوسع – تقديمه لسلامة السلسلة كاملة على حاجته الشخصية الآنية، حتى لو لم يكن هو نفسه يعي أو يعلم ذلك. وربما كان هو الشخص الوحيد الذي قد يقوم بذلك في السلسلة كلها، فلولا وجوده لانهارت السلسلة كما في المسار الأول للأحداث بسبب عدم وجود شخص مثله في الوصلات التي تليه.

فمن الملاحظ أن سلامة السلسلة كانت مسؤولية الجميع معاً، لأنه لا يوجد وصلة محددة يقع الثقل عليها دائماً، ولا يوجد وصلة مسؤولة عن امتصاص أية أعباء متوقعة، وفي حال وقوع الثقل فإنه يتوقع من جميع الأشخاص أن يقوموا بامتصاصه، فأيما شخص يقوم بامتصاصه أولاً ينال شرف الإحسان ويبقى الجميع سعداء. ولكن إذا لم يبادر أحد إلى ذلك فسوف يخسر الجميع.

ومن الملاحظ أيضاً أن كلفة المعروف والإحسان أقل بكثير من كلفة عدمهما من الناحية المادية الملموسة، فبفضل إحسان ذلك الشخص ظل الجميع قادراً على تلقي المساعدة بشكل سهل عبر السلسلة، ولولا وجوده شخص مثله لانهارت السلسلة واضطر الجميع للبحث بمفرده عن وسائل أكثر كلفة للمساعدة، وقد يترتب على ذلك تأخير أو فشل كبير عند من لا يجد وسيلة أخرى للمساعدة أو لا يطيق كلفتها. إلا أن كلفة الإحسان الحقيقية هي كلفة أخلاقية، فقد توجب على ذلك الشخص أن يؤثر مساعدة غيره على تلقي المساعدة لنفسه، وأن يخاطر بتحميل نفسه مشقة وكلفة البحث عن المساعدة التي يحتاجها بمفرده مقابل الاستمرار في تقديم المساعدة لغيره بشكل سهل، وهذا يحتاج إلى مستوى أخلاقي نبيل.

collaboration_gernerates_happiness

وبالتأكيد طبعاً الأمر ليس بالبساطة التي صورتها بها، فالسلسلة عادة ما تكون شبكة متكاملة، وليس الجميع فيها مفيدين ومستفيدين بل هناك من يأخذ بدون عطاء أو من يعطي بدون أخذ، أو من يستغرق زمناً حتى يصبح معطاء. والأثقال ليست آنية بل قد تطول مدتها مما يجعل فترة الاحتمال (أو الإحسان) أطول وأكثر مشقة، وقد تكون هناك عدة أثقال في أماكن متعددة من الشبكة مما يجعل توزع المسؤولية أمراً أقرب إلى الحقيقة. ولكن في جميع الأحوال تبقى هناك قاعدتان ثابتتان: إن الكلفة المادية لاستمرار هذه الشبكة أقل بكثير من كلفة عدم وجودها، ولكن الكلفة الأخلاقية لاستمرار هذه الشبكة عادةً ما تكون باهظة.

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”كيف تعمل سلاسل المعروف والإحسان

  1. هكذا تتبدى لنا الامور.. ولكن الحقيقة هي أن ربما تظن نفسك تساعد شخصا ولكنك في الحقيقة تساعد نفسك. يقول تعالى: “وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون” ,” وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”.. جاءت الايات معقبة لايات الانفاق وهي تمثيل جلي لمساعدة الاخرين… الاسلام افهمنا ان ما تقدمه للاخرين هو عينه ما تقدمه لنفسك.

  2. رائعة بالفعل توصيف هذه الحالة بهذا الأسلوب . بالفعل هذا أكثر ما تحتاج له المجتمعات خاصة التي تكون في طور البناء و النهوض ، مع الانتباه لتنمية خبرة الشخص المساعد للآخرين حتى يكون أهلاً للمساعدة ، يعني بشكل آخر لكي لا نقع في حالة : ” تزبّب قبل أن يتحصرم ” أي أصبح زبيب قبل أن يصبح حصرم 🙂 و هذا انقطاع غير منطقي في دورة إنتاج الزبيب .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s