أعد التفكير – راجع أولوياتك

لقد ولدتَ هنا في هذا البلد، نشأت وكبرت وتعلمت فيه، وجدت فيه أعز الأصدقاء وخضت فيه أحلى التجارب…
والآن ساءت الأمور وأصبحت رائحة الموت تنبعث من كل مكان، فهجرت الوطن الحبيب إلى الغربة القاسية وقلبك يعتصر ألماً وحزنا…
وفي تلك الغربة وجدت من يداوي جراحك ويلملم ذكرياتك الحزينة، فصرتما سوياً عائلة صغيرة هانئة، وربما نسيت أحبتك في البلد المنكوب، أو ربما لم تنسهم… ولكن لم يعودوا هم الأولى بالاهتمام الكبير.. فالآن أصبح لديك عائلة جديدة على أية حال… بصدق أقول: هنيئاً لك يا صديقي…
كما أنك شققت طريقاً – ربما كان سهلاً أو صعباً – نحو النجاح في عملك أو دراستك، فها قد أصبحت مالكاً أو مديراً لشركة كبيرة بعد أن حصلت على أرفع الشهادات بفضل ابتكاراتك الفريدة من نوعها… لقد نلت كل ذلك باستحقاق بعد تعب وجهد لا يستهان بهما، مرة أخرى وبصدق أهنئك يا صديقي…

ثم دارت بك الأيام والمحافل فصرت بشخصك علماً في العلم أو الأعمال، وصارت أقوالك تؤثر وأفعالك تتّبع، وصرت محط نظر الكثيرين…
كما أن عائلتك الصغيرة كبرت قليلاً، فأصبح لديك أطفال صغار ليس في الدنيا لهم مثيل، لقد صار أولادك مصدر سعادة ومحبة يغنيك عن كل ما في الدنيا بأسرها، إن نظرة بريئة من أعينهم الصافية تحول التعب إلى راحة، وتذهب عن الذهن كل حزن وهمّ.. وذكريات حزينة…

والآن يا صديقي حان الوقت لـ “أرشفتك”، فأولادك كبروا وأصابهم داء الاستقلال، بل إنهم نبغوا وصاروا هم أيضاً أعلاماً فلم يعد لديهم من الوقت متسع لك… ورغم ذلك فأنت سعيد جداً بمراقبتهم عن بعد، فهل ثمة أمتع من رؤية نجاحاتهم وسماع الثناء عليهم!
كما أنك لم تعد تقوى على إدارة شركتك، وابتكاراتك أو إنجازاتك أصبحت قديمة… أو ربما لم تعد بارزة بعدما تراكمت الابتكارات التي تعتمد عليها… لقد أصبحت طاقتك محدودة وخفت نجمك… ولكنك لست حزيناً فهذه سنة الحياة، وأنت تشعر بالرضا عن النفس…

ثم حان وقت الرحيل وترك كل تلك الإنجازات والسعادة، الرحيل الذي لطالما كنت موعوداً به ولم تشكّ للحظة من اللحظات بمجيء وقته، لقد حان الوقت الآن… وها أنت تستسلم له بكل طاعة.

لحظة يا صديقي! أنا آسف على مقاطعة حياتك السعيدة في لحظاتها الأخيرة ولكن… أليس هناك شيء قديم عالق في زوايا قلبك المهترئة عن وطن قديم منكوب؟ أليس ثمة سؤال مزعج يراودك بين السنة والأخرى: ما حال البلد والأحبة؟
إن لم يكن هناك، فأبشرك بأنك كنت ناجحاً في كل نواحي حياتك، لقد نجحت في كل شيء: عائلياً واجتماعياً وعلمياً… بل إنك نجحت في الأمر الأصعب من كل ذلك مجتمعاً: لقد نجحت في تحطيم الإنسان الذي في داخلك وصناعة إنسان “حسب الطلب”. ولكن ثق تماماً يا صديقي أن ذلك لم يكن مؤذياً لأحد، سواء وطنك أو أحباؤك القدماء، بقدر ما كان وسيكون مؤذياً ومؤلماً لك… صدقني فأنا أقول الحقيقة.
أما إن كانت زوايا قلبك ممتلئة بأشياء قديمة تنغص عليك بين الفينة والأخرى، وكان عقلك عاجزاً عن النجاح في الاستجواب السنوي عن حال البلد والأحبة، وكنت فاشلاً في تحطيم الإنسان الذي في داخلك… إن كان الأمر كذلك فيؤسفني أن أقول لك أن ذلك الإنسان، الذي لم تستطع تحطيمه فاضطررت إلى سجنه والتضييق عليه، ذلك الإنسان فقد مقعده في وطنه بسبب أولوياتك الأنانية. وأما أنت، فبالإضافة إلى الألم الذي عانيته من الحرب الداخلية مع إنسانيتك، والتي آلمتكما أكثر مما آلمت سواكما كائناً من كان، فلقد خسرتها مع الأسف، والآن في اللحظات الأخيرة من حياتك في هذه الدنيا تشعر بحجم الفشل الذريع الذي تواجهه، والذي يفوق كل ما حققته من سعادة ونجاح في سنين عمرك المديدة، يالها من خاتمة محزنة لحياتك السعيدة، وبداية مؤلمة لحياتك الأخرى التي – أغلب الظن أنها – لن تكون سعيدة.

وأما وطنك وأحباؤك القدماء فلقد تدبروا أمورهم بأنفسهم، فالوطن لا ينتظر أحداً ليعود، نعم سيحتضنه بحنان بالغ إن عاد، ولكنه لا ينتظر ولا يعلق آمالاً. همه الوحيد أن يحتضن من هم في كنفه الآن ويغمرهم بكل ما تحويه عظمته من محبة وحنان، ولا تظنّن للحظة يا صديقي بأنك كنت، أو ستكون، أسعد من هؤلاء.

وأما أنا… فلي في وطني حصة لن أتركها لأحد…

وفي النهاية لابد أن أقول: رُبّ مهاجر من وطنه هو أكثر قرباً ممّن يعيشون على أرض الوطن. ولكنهم قليلون…

هذه التدوينة متأثرة بـ أعد التفكير .. ابقَ في الدار

Advertisements

3 أفكار على ”أعد التفكير – راجع أولوياتك

  1. كلامك صحيح و رائع !

    إلا أنه ينطبق و يُعمم على حالات أكثر بكثير من المسافرين من أوطانهم . كثير من الأشخاص مازالوا في وطنهم و لكنهم متناسين واقع بلدهم و مجتمعهم و همهم ما تفضلت حياتهم الشخصية فقط . و لهذا أوجه كثير و صور شتى .

    1. أتفق معك تماماً أخي يحيى، وبالمقابل هناك أشخاص يسافرون إلى خارج أرض وطنهم بغية خدمة وطنهم بأشكال أخرى.

      وهاتان الحالتان في تعليقك وتعليقي هما سبب كتابتي للسطر الأخير من التدوينة 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s