حالة قرف، أفكار متطرفة، وميزان تفكير مختلف

لا أنكر أن حالة القرف التي وصلت إليها مزرية جداً وقد تبدو غير منطقية أو مبتذلة، إلا أن عوامل كثيرة أدت إلى وصولي إليها لن أتطرق لذكرها هنا في هذه التدوينة التي تأتي ارتجالاً بدون تخطيط مسبق. فقد وعدت بعض الإخوة بكتابة تدوينتين لموضوعين مفيدين حقاً، ولكن كلما هممت لكتابة إحداهما امتلأ رأسي بتلك الخواطر والأفكار والأسئلة التي تنهشه نهشاً. ولماذا قد أكتب أياً من هاتين التدوينتين، هل لأن موضوعهما مفيد؟ ذلك ليس إجابة كافية لتلك الأسئلة.

أعطني إجابة أكثر إقناعاً: لماذا قد أكتب أي شيء مفيد، سواء تلك التدوينتين أم غيرهما. بل دعك من التدوين وأخبرني: لماذا قد أبدأ بالعمل على أي من المشاريع الواعدة العديدة المطروحة أمامي الآن، وأية فائدة سأجنيها من بعد كل ذلك التعب؟ ليست هناك إجابة مقنعة. فمتعة الإنجاز ليست إجابة مقنعة أمام القرف والظلام الذي أراه ولا تراه يا صديقي، المتعة هي مجرد شيء مثير للسخرية، هي مخدر ليمنعك من رؤية القرف والظلام الذي أراه، ولكن ما إن تراه فلن تعود المتعة شيئاً مقنعاً صدقني.

ستقول لي أن هذه الأشياء ستفيد البشرية. ومن قال لك بأن البشرية كلها تهمني؟! في الواقع البشر مخلوقات مثيرة للاستغراب. لماذا علي أن أقوم بشيء يفيد البشر أو لا يفيدهم، ومنهم من سيكون له مآخذ على أي شيء أعمله، ومنهم من سيحاربني ومنهم من سيتملق، وبالتأكيد هناك من سيكون مخلصاً أو ناصراً لي ولكن، لماذا قد أرهق هؤلاء حتى بأي شيء أفعله، وفي النهاية كلهم سيموتون، كلهم فانون.

بل تعال معي إلى أبعد من ذلك: مهما كانت فائدة ما سأفعله، فإنه لن يفيد البشرية جمعاء. فالبشر مبدعون لحد يجعلهم يصنعون أكثر الأشياء إيذاءً من أكثرها فائدةً. دعك من تلك النظرة الفلسفية المعقدة وتعال إلى أمور أبسط: لماذا علي أن أصنع شيئاً مفيداً وهناك من يفعل أشياء ضارة، أو حتى يخطئ في الكثير من الأمور. لماذا علي أن أهتم بفائدة البشرية ثم يأتي أحمق ويربي ابنه تربية خاطئة، أو يأتي متبجح فيعلم تلاميذه هراءً وحماقات، أو يأتي متكبر فيستبد بشعبه، وكل هؤلاء سيبطلون الفائدة التي رجوتها، والتي في النهاية ستؤول إلى زوال كما سيزول كل هؤلاء البشر على تنوعاتهم!

أخبرني عن الشعور بالإنجاز ونشوة الانتصار وتحقيق الأحلام لتثير شفقتي عليك. فهذه كلها أشياء فانية يا صديقي، أي إنجاز ذلك الذي قد ينقرض بعد مئة عام (لابد أنك توافقني أن الإنجازات هي التي تترك تأثيراً يدوم لتلك المدة على الأقل، وإلا فإن هناك عدم توافق كبير بين ما يسمى بطموحي، وما يسمى بطموحك!) أو بعد ألف عام، أو سينقرض عند قيام الساعة. نعم يا صديقي إنها أشياء فانية وإلى زوال، فأي إنجاز، وأي انتصار، وأي أحلام تتحدث عنها بحق السماء. سأماشيك وأقول إن الإنجاز هو عمل صالح يدوم لما بعد الساعة، وأن الانتصار هو الانتصار على النفس والشيطان، وأن الحلم هو الحلم بالدخول إلى الفردوس الأعلى. صدقني ذلك ليس مغرياً بالنسبة لي، ربما أنا في حالة مزرية ولكن، صدقني الجنة تبدو مملة، والسعادة الأبدية تبدو مملة، لا أريد تجرؤاً ولكن صدقني هكذا يبدو الأمر بالنسبة لي.

دعك من كل ما يجود به فكرك النبيل لمواساتي وشحذ همتي، فصدقني كل ما قد تجده من مغريات لم يصمد أمام القرف والاستياء الذي يعتريني من هذه الحياة. لربما كان الموت والفناء هو الأمر الأسهل لحل مشكلتي المستعصية، ولكن أنت تعلم وأنا أعلم أن ذلك ليس بإرادتنا، بل هو قراره وحده وقد حرم علينا أن نتخذه بالنيابة عنه.

دعك من مناجاتنا لبعضنا وتعال نسأله فهو صاحب القول الفصل. لقد منعنا من التخلص من هذه الحياة المقرفة، إذاً فلا شك أنه يريد منا شيئاً، ألا يبدو ذلك منطقياً؟ بالنسبة لي ذلك منطقي. فلا يزال عقلي يعمل، ولا يزال لدي إيمان بأمر واحد في هذه الحياة على الرغم من قرفها وظلمها وكل ما فيها من أشياء مبتذلة ومقرفة وحقيرة، إيمان واحد فقط.

أنا أؤمن أنه موجود، وأعلم أنه واحد، وأعلم أنه يعرف كل شيء مضى وكل ما هو آت، ولا شك أنه يعرف أن هذه الحالة التي وصلت إليها سيصل إليها العديد من البشر، وبالأخص أولئك الذين يتجاوزون كل حدود الطموح ليقفوا عند عتبة الكمال وباب الخلود، ثم ينظروا وراءهم فيجدوا كل طموحاتهم فانية وعديمة الجدوى. نعم صدقني هو يعرف كل ذلك، ولا شك أن لديه علاجاً لما يعتريني من ضعف وهوان ويأس وقرف، وأنه يريد مني شيئاً وله حكمة من ورائه. فإنا وإن زهدت بكل شيء فإني بشر ضعيف، ولا شك أن هناك شيئاً أراده هو ولم أستطع، بعقلي المتواضع أمام جلال عظمته، أن أتوصل إليه وأعرفه.

لربما لن أستطيع معرفة ذلك الشيء مطلقاً. ولكني أعرفه بمعرفتي لمن يريده. وإن كان من المستحيل أن أصل لعظمة وكمال وخلود من يريد ذلك الشيء، فيكفيني أن أكون كما يريد مني، أن أكون خادماً له ومطيعاً لأوامره. لا شك أنه في غنى عني وعن خدماتي، ولكنه بكرمه لن يردني خائباً وسيمنحني شرف خدمته وطاعة أوامره.
ودعني أخبرك أمراً أظنني سهوت عنه في عتمة تلك الأفكار، أو ربما لم أنسه بل حسبته من البديهيات: لطالما أهمني ما يريده هو مني، ولطالما أهمني أن يكون راضياً عني، ولطالما ذبت في حبه.

فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s